سيلفيا كاتوري

Français    English    Italiano    Español    Deutsch    عربي    русский    Português

رسالة من السجن لبهار كيميونغور
ها نحن نذهب في جولة مرة اخرى

.

11 كانون الأول (ديسمبر) 2013

رسالة بهار كيميونغور الى الرأي العام، كتبها في السجن

حول ظروف الاعتقال

سجن برغامو ، اليوم الـ6 من الاعتقال

" ( ... ) لأكون صادقا، فزنزانتي رعب. كما لو أن كل الرياح القطبية تواعدت هناك. "زجاج النافذة" عبارة عن بلكسي هش، مقوس لا يلتحم بالسيليكون الا من جانب واحد فقط. ثلث "الزجاج" مفقود. الجزء المفقود مغطى بورق جرائد تم إلصاقه بمعجون الأسنان.

الامر نفسه بالنسبة الى حجيرة الاستحمام الصغيرة. هناك لا يوجد زجاج البتة. باب معدني ثقيل يفصل بين الحجرتين. لفتحه ، يجب حمله، لأن حاله سيئة. ولأنه لا ينغلق تماما فهناك تيار هواء مستمر في الحجيرة.

سريرنا ذو ثلاثة طوابق. الحجرة التي أتواجد بها تسمى حجرة "الضيافة"، مع أنه ليس بها أي مظهر لذلك. عند دخولي السجن، جعلوني اعتقد بأنه يمكن للمرء أن يختار زنزانة لـ"غير المدخنين". وكان هذا الخيار موجودا في استمارة الاستقبال، وبطبيعة الحال فقد اخترته. ولكن ونظرا لاكتظاظ السجن، فإن اللامدخنين مجبرون على تقاسم الزنازين مع المدخنين. ان الظروف الصحية مزرية. لم استطع تنظيف زنزانتي القذرة الا في اليوم السادس من اعتقالي، اي اليوم.
زنزانتي طاحونة حقيقية. أربعة سجناء قد نقلوا اليها 6 أيام قبلا: سيلفيو، خمسيني نزق، اعتقل لضربه شقيقه وأبويه. السيد كاربونارا دي باري، ستيني متهم بالسرقة، وأفرج عنه أمس بعد أقل من 48 ساعة من الاعتقال. اليوم، قدم شاب مغربي أدين بالاتجار في المخدرات.

منذ أمس، اشارك ستيفانو زنزانتي، وهو روماني، 25 عاما، أب لصبي ذي 3 أشهر. انه لطيف جدا، مغتم لما حدث له وجبان قليلا. انه يخاف على سبيل المثال من الذهاب لاستنشاق الهواء. على فكرة، ان الساحة المخصصة لاستنشاق الهواء هي مدخن حقيقي. إذا ما دخن أربعون سجينا في الوقت نفسه، فلن تكون هناك فرص للانتقاع بالهواء النقي الذي يأتينا من جبال الألب..

آه نعم ، لا بد لي أن أحدثك أيضا عن "القهوة". يتصور المرء أنه يحق له في إيطاليا، وحتى في السجن، بتناول قهوة ايطالية.. لكن لا. في بلد إسبرسو وكابتشينو قهوة السجن سائل عكر يوزع بمغرفة! مقززة الى درجة أنني لم اتناولها منذ اول صباح.

في زنزانتنا، ليس هناك غير طاولة صغيرة ومقعد بلا ظهر، مكسورة، من اجل ثلاثة اشخاص. الجدران قذرة، الحمامات قذرة، والارضية قذرة. لذلك يُلجأ الى ما تحت ملاءة السرير مثلما يُتشبث بطوف وسط حطام سفينة تغرق.
عندما تركب فلكا إيطاليا، لا تحصل على عدة بقاء كاملة. لا مناشف، لا ملابس داخلية، لا جوارب. ان الكنيسة الكاثوليكية هي من يكمل الناقص. وفضلا عن ذلك يجب على المرء ان يحصل على موعد مع "رجل دين"، قس.
في الزنزانة، الامر الطيب الوحيد هو التلفزيون. يجب ليّ الكابل بألف طريقة وطريقة لفك تشفير واحدة من ثماني قنوات إيطالية من المفترض أن نلتقطها"..

سجن برغامو ، اليوم العاشر من الاعتقال

بعد هولندا وبلجيكا واسبانيا، تفتح لي ايطاليا ابوابها الحديدية وتغلقها عليّ في الحال، إنها إيطاليا نفسها التي زرتها أربعين مرة دون أدنى قلق، رغم مذكرة التوقيف الدولية التي اصدرتها محكمة أنقرة قبل 10 سنوات.
في هولندا، اعتقلت بينما كنت أجول حول بسيارة على الطريق السريع في ضواحي لاهاي.
في بلجيكا، تكبدت قضية جزائية غير ذات جدوى، ومكلفة، سممت أربع سنوات من حياتي، وكان المشوار بالطبع أكثر تقليديةً: من حكمة سجن غاند الى سجن غاند.

بالمقابل، كانت الشرطة في اسبانيا أكثر إلهاما، بوضوح، اعتقلتني داخل كاتدرائية قرطبة مع زوجتي وطفليّ.
في إيطاليا، استقبلتني وحدات "ديغوس" في مطار أوريو آل سيريو بضع دقائق بعد هبوط طائرتي القادمة من شارلروا. اقتادني رجال الشرطة الايطاليون إلى سجن بيرغامو حيث اقبع منذ عشرة أيام في ظروف مزرية.
بتسببها في هذه السلسلة من الاعتقالات، تأمل السلطات التركية تخويفي، تثبيطي، إضعافي ماليا وتشكيك العديد من الأصدقاء والزملاء الذين يؤيدونني.

على اعتياديته، فإن الحرمان من الحرية عقوبة لا تقل عن العنف الشديد، إذ أن ضحيته الاولى الاهل، وخاصة الابناء.
أولادي -تتراوح أعمارهم بين 3 و 5 سنوات- لا يفهمون الكثير من الامور.

لكنهم لا يستطيعون فهم أو قبول أن يُعاقب والدهم باستمرار بسبب كتاباته –وهو الذي علمهم قواعد الحياة في المجتمع والقيم الإنسانية مثل الصدق والعدل والمحبة والتضامن- بل حتى الكبار لا يمكنهم أن يفهموا هكذا احتداد.
من شأن الشعور بالظلم الذي تبادر الى قلب أطفالي بسبب المصاب الأخرق واللامعقول أن يتسبب لهم في آثار نفسية خطيرة.

سيكون من السهل جدا رمي الحجر على النظام التركي فقط وتبرئة الدول الأروبية كـ"ضحية" لأخطاء إدارية بسيطة. لقد شهد العالم وحشية شرطة أردوغان خلال ثورة ساحة تقسيم في الصيف الماضي.
أوروبا كلها ساخطة عليها. لكن ذلك لم يمنع الشرطة الأوروبية من تلعب دور إنكشارية السلطان أردوغان.
فلمَ حسن نية العدالة الأوروبية اذا كانت قوات الشرطة الأوروبية تضع نفسها تحت أمر النظام النيو-عثماني، وتدوس على قرارات هذه العدالة نفسها؟
لماذا يمنعني قاض إيطالي من السفر، في حين أن القاضي الإسباني أذن لي؟
كيف يمكن لمنظمة مثل الإنتربول أن تضع نفسها فوق القانون وتخرج عن السيطرة؟
بأي حق يمنح الانتربول نفسه الحق في تحويل بلاغ تعسفي الى عقوبة سجن مدى الحياة؟
كيف يتم اعتبار نظام كنظام أنقرة -يستقبل كل يوم كتائب كاملة من الإرهابيين الذين يقتلون الشعب السوري- شريكا لأوروبا في مكافحة الإرهاب؟
قد تستحق مغامراتي السيئة الحظ على الأقل ميزة تسليط الضوء على بعض الجوانب المظلمة من ديمقراطياتنا الفائقة، المنصّعة يوميا أكثر من اللازم.

في انتظار الإفراج عني، أشكر من كل قلبي آلاف الأصدقاء الذين يمكنني الاعتماد عليهم دوما على في الأوقات السعيدة كما في الأوقات الصعبة، والذين تحركوا مرة أخرى لدعم عائلتي ورفع –عاليا- راية مثلنا المشتركة.

بهار كيميونغور
ديسمبر